صديق الحسيني القنوجي البخاري

121

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أي ورثه العلم والنبوة أو الكتب ، دون باقي أولاده ، قال قتادة والكلبي : كان لداود تسعة عشر ولدا ذكرا ، فورث سليمان من بينهم نبوة ، ولو كان المراد وراثة المال لم يخص سليمان بالذكر ، لأن جميع أولاده في ذلك سواء ، وكذا قال جمهور المفسرين . فهذه الوراثة هي وراثة مجازية ، كما في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » « 1 » ، قال قتادة : في الآية ورث نبوته وملكه وعلمه ؛ وأعطي ما أعطي داود وزيد له تسخير الريح ، والجن والشياطين ، وكان أعظم ملكا منه ، وأقضى منه ، وكان داود أشد تعبدا من سليمان ، شاكرا لنعم اللّه تعالى . وَقالَ سليمان لبني إسرائيل تحدثا بما أنعم اللّه به عليه ، وشكر النعمة التي خصه بها يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا الضمير فيه وفي أوتينا لكل من داود وسليمان ، قال القرطبي : تفضل اللّه علينا زيادة على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض أن فهمنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ أي فهم ما يريده كل طائر إذا صوت ، والمعاني التي في نفوسها ، سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه ، كما يفهم من كلام الناس . وقدم منطق الطير لأنها نعمة خاصة به ، لا يشاركه فيها غيره . قال الفراء : منطق الطير كلام الطير ، فجعل كمنطق الرجل . ومعنى الآية فهمنا ما يقول الطير . ومقتضى هذا أن كلّا منهما كان يعلم أصوات الطير ؛ وما تريده . قال الخطيب : علمنا أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله . وفي البيضاوي النطق والمنطق في التعارف : كل لفظ يعبر به عما في الضمير ؛ مفردا كان أو مركبا مفيدا كان أو غير مفيد . وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم : نطقت الحمامة ، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد ، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات نزلت منزلة العبارات ، سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض ، بحيث يفهمها ما هو من جنسه . ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية الغرض الذي صوت لأجله ، والغرض الذي توخاه به انتهى . قال جماعة من المفسرين : إنه علم منطق جميع الحيوانات ، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جنوده ، يسير معه لتظليله من

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 10 ، ( وفي الترجمة ) ، وأبو داود في العلم باب 1 ، وابن ماجة في المقدمة باب 17 ، والدارمي في المقدمة باب 32 ، وأحمد في المسند 5 / 196 .